أحمد بن محمد ابن عربشاه
388
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
غريق ، فاحملنى في الذهاب وأنا أحملك في الإياب ، فأجابه الحمار وحمله وخاض به ونقله ، فأنشب الأسد الأظفار في كاهل الحمار ، وثقل عليه فلم يتأثر له ولم يلتفت إليه ، فزاد وهمه من الحمار ، وقال هذا رأس الدعار « 1 » ثم سارا ساعة أخرى فرأيا في طريقهما نهرا فطلب الحمار الوثوب ، وقال : هذه نوبتي في الركوب ، ثم طفر على الأسد وثقل عليه الجسد ، وتمكن عليه وأرخى يديه ورجليه ، فتضرر من ثقله وابتلى بشر عمله ثم تورّك عليه « 2 » وأنشب في كاهله مسامير نعليه ، فماج الأسد ومار وقد أثرت فيه حوافر الحمار ، فقال له : أثبت وآلك فما حوّلك تحتى وأحالك . فقال : يا أخي حيرت في أمرى لقد أوجعتنى وقصمت ظهري ، وكان يكفيني جوعى وقلتي وخضوعى ، وما أدرى هذا الضر والبلا من أين أقبلا ، فقل لي ما الذي أنشبته في كاهلي ونزلت به من حافرك في ساحلى . فقال هذه مسامك « 3 » لطلاب الجرايات والجوامك « 4 » ، وهي أربعون مسماك لا بد أن تثبت كلها في قفاك ، حتى يترصع لك اسم في الديوان وإلا فالرزق لا يحصل بالهوينا بل بالهوان . فقال : يا أخاه اتركنى لوجه الله وارفق بي رفقا وما أريد منك رزقا ، ودعني بالأمانة ووفّر الجراية على الخزانة ، ولا رأيتك ولا رأيتني ، ولا عرفتك ولا عرفتني ، فإني أتقوت من حشيش الأرض وخشاشها « 5 » ، واستعد لمعاد نفسي بالرفق في معاشها ، فنزل عنه الحمار وتركه وسار ، فهرب منه بعد ما ودعه وولى يلتفت يمينا وشمالا لئلا يتبعه .
--> ( 1 ) الدعار ، مفردها الداعر : الخبيث المفسد . ( 2 ) أي تمكن من جلسته . ( 3 ) عيدان ترفع بها الخيمة . ( 4 ) الجوامك ، مفردها الجومك : مرتب خدام الدولة العسكرية . ( 5 ) حشرات الأرض وعصافيرها .